تمت الترجمة بواسطة “محمود صالح”

يهدف هذا المقال الحواري الذي أجراه كتبة النيل إلى تزويد القراء بالمزيد من المعرفة حول علماء المصريات من جميع أنحاء العالم. ومن الأسئلة التي تدور حول حياتهم الشخصية إلى المواضيع المهنية، نسعى إلى استكشاف اهتماماتهم البحثية وتأثيرها ووجهات نظرهم في مجال علم المصريات. كما نسعى إلى تعزيز وعي الجمهور بالمجتمع المصري، وتوضيح المهن المختلفة والمشاريع البحثية الجارية داخل هذا المجال. ومن أجل هذه الغاية، أجرينا هذا الحوار مع الدكتور كيري ملستين من جامعة بريغهام يونغ بمدينة بروفو في ولاية يوتا الأمريكية عن حياته وأبحاثه.

من هو الدكتور كيري ملستين؟

كان من دواعي سرورنا أن نلتقي بالدكتور كيري ملستين في الندوة الثانية والأربعين لجمعية دراسة الآثار المصرية في مطلع هذا الشهر حيث تحدث عن أعمال حفرياته في منطقة “فج الجاموس” بمحافظة الفيوم في مصر. حصل الدكتور ملستين على درجة الدكتوراه في علم المصريات من جامعة كاليفورنيا في عام 2003، وهو يعمل حالياً أستاذ في النصوص القديمة التابع لقسم دراسات الشرق الأدنى القديمة في جامعة بريغهام يونغ. كما يشغل منصب نائب رئيس جمعية دراسة الآثار المصرية.

كتبة النيل: ما هي بلدك وأين تعلمت؟

أنا من ساندي، يوتا، حوالي نصف ساعة جنوب سولت لايك سيتي ونصف ساعة شمال بروفو. لقد فعلت وندرغراد في بيو في علم النفس. جزء الطريق من خلال سنوات البكالوريوس بلدي أدركت كم أود أن يعلم وكم أحببت العالم القديم. كنت في الأصل الأكثر فتنة مع عالم الكتاب المقدس، لذلك بدأت في دراسة العبرية والدورات المرتبطة بتاريخ الكتاب المقدس. انتهى تخرجي في علم النفس (مع التركيز على علم النفس الاجتماعي والثقافي) وقاصر باللغة العبرية.

كتبة النيل: كيف بدأت في علم المصريات؟

بدأت على الفور الماجستير في دراسات الشرق الأدنى القديمة في جامعة بريغهام يونغ. وبينما كان التركيز على الكتاب المقدس بالعبرية، سرعان ما أدركت كم أحب مصر الفرعونية. وعلى وجه الخصوص، استعمال القدماء المصريين للرموز. وبدأت في دراسة أي مواد مرتبطة بمصر الفرعونية، وكذلك إنجاز أي مشروع ذات طبيعة مصرية. وتقدمت بطلب للحصول على درجة الدكتوراه في علم المصريات. وكنت على وشك الذهاب إلى جامعة بنسلفانيا عندما جاء الدكتور أنطونيو لوبريينو، من جامعة كاليفورنيا، لإلقاء محاضرة في جامعة بريغهام يونغ. وبعد الاستماع لمحاضرته وزيارته، أدركت أن اهتماماتي البحثية تتفق معه تماماً. لذلك تقدمت بطلب إلى جامعة كاليفورنيا وذهبت إلى هناك.

وبعد أن درست عدد من المواد باللغة العبرية، والآرامية، والأوغاريتية، والأكادية، والقبطية، كنت قادراً على تعلم اللغة المصرية بسرعة إلى حد ما. وفي أثناء دراستي في جامعة كاليفورنيا، جاءت عالمة المصريات “ويليك ويندريتش” هناك، وانتهى الأمر بالعمل معها عن قرب. وشعرت بالسعادة الغامرة للعمل عن قرب مع كل من الدكتور لوبريينو والدكتور ويندريتش. وكلاهما أعطياني الكثير من الاهتمام، وشعرت وكأنهما أسرتي. وفي جامعة كاليفورنيا، كنت أيضاً محظوظاً لأن ألتقي بالكثير من الأساتذة الزائرين. وكان من دواعي سروري أن استمع إلى محاضرات من أساتذة مثل جيل رولين، وكريس رينتجيس، وزاهي حواس، ومونيكا بونتي، وكاتجا غوبس، وأنسون ريني.

كتبة النيل: ما هو متحفك المفضل الذي يضم آثاراً مصرية؟

أعتقد أن متحفي المفضل هو بين المتحف المصري في القاهرة ومتحف تورينو في إيطاليا.

كتبة النيل: هل يمكن أن تخبرنا عن أول رحلة لك إلى مصر؟

كنت ذاهباً للعمل في ميناء برنيس بجنوب محافظة البحر الأحمر بمصر مع الدكتور وندريتش. وذهبت قبلها بأسبوع على نفقتي الخاصة لرؤية مصر. ولم أقم بزيارة مصر من قبل وكنت في منتصف طريق رسالة الدكتوراه وأرغب في رؤية بعض المعالم التي أدرسها. وانتهى بي الأمر في غرفة بفندق بها سرير قصير جداً بالنسبة لي (وأنا لست طويل القامة). وكان الفراش قصيراً أيضاً لذلك كان يجب علي النوم في شكل منحني طوال الوقت. ولم يكن هناك كرسي في الفندق بأكمله. وأتذكر أنه بعد عدة أيام أردت فقط الجلوس على كرسي لمدة دقيقة، لذلك مشيت إلى فندق النيل هيلتون. واستغرق الأمر مني بعض الوقت للوصول إلى هناك؛ ولم أكن أعرف كيفية عبور الشارع في القاهرة (والتي ليست سهلة كما قد يبدو). وأخيراً وجدت للتو بعض المارة يعبرون وركضت معهم عندما ركضوا، وهذا هو نفس الأسلوب الذي استخدمته لركوب الحافلات، والتي لم تكن سهلة أيضاً. وذهبت إلى هيلتون وجلست في بهو الفندق لفترة من الوقت لمجرد الاستمتاع بالجلوس. فكانت نصف ساعة ملاذاً قليلاً بالنسبة لي للاستراحة من زحام القاهرة. وكنت محظوظاً أيضاً لأنني قد تعرفت على مجموعة من المصريين من الكنيسة الذين دعوني لتناول العشاء وأخذوني معهم في سيارتهم الجيب إلى أماكن لم أستطع زيارتها. ومع ذلك، أتذكر دائماً كرسي فندق النيل هيلتون! وأدركت في هذه الرحلة أنني أحب القاهرة وأحب الشعب المصري. وأصبح شعب مصر وأماكنها جزءاً لا يتجزأ من قلبي.

كتبة النيل: أين عملت في مصر؟

لقد أمضيت معظم وقتي في مصر في مشروع الحفر الخاص بجامعة بريغهام يونغ. وكنت أحضر كمدير مساعد، مع التركيز دائماً على أن مدير المشروع كان على وشك التقاعد ويريدني أن استكمل المشروع بعد تقاعده. وكان علينا أن نأخذ “توك توك” لمدة نصف ساعة للوصول إلى موقع الحفر، ثم نقف ونعبر قناة بجوار الموقع من خلال “جسر” كان قد بناه المدير للعمال. وكان الجسر عبارة عن أربعة براميل مربوطة ببعضها. وإذا تمكنت من الاحتفاظ بتوازك وعبور الجسر فأنت تعد جزء من فريق الحفر.

كتبة النيل: ما هو أكثر ما يعجبك عن مصر القديمة؟

أميل إلى المعالم المصرية القديمة ذات النقوش المليئة بالرموز. وكيف تمكن القدماء المصريين من تسجيل أعمالهم عن طريق الرموز،  وكيف يتفاعل النص والفن مع بعضهما بعض، وكيف يمكن إعادة تفسير نفس الرمز في سياقات مختلفة، وكيف تتفاعل الرموز مع تصور الحياة اليومية. ولا تزال كل هذه الأسئلة مصدر إعجاب بالنسبة لي.

كتبة النيل: ما هي اهتماماتك البحثية الأساسية؟

أحد اهتماماتي البحثية الأساسية هي العنف المقدس في مصر. وأوليت الكثير من الاهتمام بهذا الشأن لأنني كنت قد علمت، مثل الكثيرين الآخرين، أن المصريين ليس لهم صلة بمبدأ التضحية البشرية. ثم واجهت مثالاً للتضحية البشرية كتب عنه روبرت ريتنر. وكنت أتساءل لماذا ينكر الكثير هذا الفعل على القدماء المصريين مع أنه كان واضحاً. وتركز اهتمامي على المنطق الديني وراء هذه الممارسة. وكل هذه الأسئلة قادتني إلى بعض مجالات البحث المثمرة.

وأنا أيضاً مهتم بالتغيير الديني. وهذا يعمل بشكل جيد مع مشروع الحفر لأننا نعمل على هرم بُني بواسطة الملك سنفرو. وهو جزء من لغز “كيف بنيت الأهرامات الحقيقية ولماذا؟”. كما أنه جزء من تحول اتجاه الأهرامات من “الشمال-الجنوب” إلى اتجاه “الشرق-الغرب”. وهذا هو الوقت الحقيقي للتغيير الديني. ولدينا أيضاً مقبرة يونانية-رومانية. وخلال حياة هذه المقبرة، تحول سكانها إلى المسيحية، وهو عصر آخر من التغيير الديني.

كتبة النيل: إذا كان بإمكانك العودة إلى الوراء ما هي المدنية المصرية القديمة التي ترغب في رؤيتها؟

إذا كان بإمكاني العودة بالوقت إلى الوراء، أود أن أشاهد ماذا كان يفعل سنفرو أثناء بناء أهراماته الأربعة والطريقة التي بنيت بها الأهرامات. وفي الواقع هذا السؤال يوقظني في الليل في محاولة لمعرفة حقيقة بناء هرم سيلا وعلاقته مع هرم ميدوم. وسأكون في غاية السعادة إذا قضيت بضع دقائق مع سنيفرو.

كتبة النيل: ما الذي تعمل عليه حالياً؟

أنا على وشك الانتهاء من كتاب عن أعمال مشروع الحفر المصري الخاص بجامعة بريغهام يونغ. وسيكون هناك فصولاً داخل الكتاب حول برنامج طقوس هرم سيلا، وحول كيفية قيام الفقراء في العصر الروماني في تلك المنطقة بدفن موتاهم، وعن صور المومياوات التي وجدت في تلك المنطقة، وترجمة جزء من ورق البردي الذي عثرنا عليه، وحفنة من أشياء أخرى. وأعتقد أن الكتاب سيقدم مجموعة من المواضيع المثيرة. وبعد ذلك، سيكون مشروعي الكبير القادم حول نشر كتاب عن التنقيب عن هرم سيلا. وهناك بعض المعلومات التي ما زلنا بحاجة إلى اكتشافها، لذا أخطط في الفترة القادمة لإعادة اكتشاف أجزاء من التنقيب عن الهرم حتى نتمكن من نشر الكتاب بشكل أفضل.

كتبة النيل: ما هي طموحاتك في علم المصريات؟

كما فعلت هذا البحث أدركت أن كثيرا ما كنت أتعامل مع الحجج الدائرية. فالأشخاص سيواجهون أدلة على العنف الطقسي، لكنهم سوف يرفضونه بسبب الاعتقاد بأن المصريين لم يشاركوا في مثل هذه الممارسات. والشخص التالي الذي يواجه الأدلة يرفضه استنادا إلى نفس المنطق، ويذكر الشخص السابق الذي رفض أدلةه. وفي النهاية استخدم افتراض لرفض جميع أنواع الأدلة. آمل أن نتساءل أكثر فأكثر عن افتراضاتنا، وأن نترك الأدلة تتحدث عن نفسها. وأعتقد أننا أحياناً نقع في حب الثقافات التي ندرسها ونريد أن نراها بالطريقة التي نحبها بدلاً من السماح لهذه الثقافات أن تبرز نفسها كما يحب أهلها. وعلينا أن نتجنب هذا الاتجاه.

كتبة النيل: كيف يمكن للطلاب أن يعدو أنفسهم ليكونوا أكثر كفاءة ء في دراسة علم المصريات؟

ما زلت أعتقد أن أحد أفضل الأشياء التي يمكن لطلاب المصريات القيام بها هو إعداد أنفسهم ليكونوا مؤرخين أفضل. كما يجب عليهم أخذ المواد الدراسية المتعلقة بالطرق والمهارات التاريخية حتى يتمكنوا من الحصول على وظائف. وما زلت أنصح بالتوصيات التي أعطيتها في المجلد الأول من مجلة التاريخ المصري حول مدى سهولة العثور على وظيفة إذا كان الشخص يمتلك مهارات تاريخية. كما أن عدد وظائف علم المصريات منخفض، ولكن هناك العديد من الوظائف المتعلقة بالتاريخ.

كتبة النيل: إذا كان لديك الفرصة لدراسة موضوع آخر بجانب مصر القديمة، ماذا سيكون؟

ما هو رائع بشأن العمل في مصر الفرعونية هو أنها لن تتوقف أبداً عن مفاجئتك. وبغض النظر عن مقدار معرفتنا، هناك المزيد من الأسرار التي لم تفسر بعد حتى الآن. ولا أتوقع التوقف عن الاندهاش من مصر الفرعونية طوال حياتي.

ويعرب كتاب النيل عن امتنانه لمشاركة الدكتور مهلستين في هذه السلسلة. إذا كان لديك أي أسئلة للدكتور ملستين، يمكنك الاتصال به عبر الإنترنت من خلال ملفه الشخصي أدناه أو ترك تعليق على بلوق. صور مجاملة من الدكتور مهلستين ومشروع الحفر بيو مصر.

الصفحة الشخصية على موقع جامعة بريغهام يونغ.

The Nile Scribes are thankful for the translation assistance by our official Cairo-based translator, Mahmoud Saleh.