تمت الترجمة بواسطة “محمود صالح”

في مطلع هذا الشهر، كشف المتحف البريطاني فى إحدى مدوناته النقاب عن اكتشاف جديد حول مجموعة من الوشوم لم تكن معروفة من قبل وجدت على جسد اثنين من المومياوات المصرية ضمن مجموعات المتحف. وبعد هذا الاكتشاف المثير، طلب كتبة النيل من الكاتبة “إرين إنجرام” أن تكشف لقرائنا عن المزيد من رسم الوشوم في عالم مصر القديمة.

الضيف الكاتب: إرين إنجرام

المومياوات المصرية تتصدر عناوين الأخبار

اكتشف الباحثون مؤخرًا أن مومياء مصرية في المتحف البريطاني عمرها خمسة آلاف عام من منطقة “جبلين” في مصر القديمة تحمل أولى صور الوشم في العالم. وحددوا بشكل مبدئي أن تلك الوشوم تصور ثوراً برياً وواحدة من الأغنام البربرية على إحدى المومياوات الذكور المعروف باسم «رجل الجبلين»، بالإضافة إلى صور على جسد إحدى المومياوات من الإناث تعرف باسم «سيدة الجبلين» على شكل حرف S وعصى ملتوية أو عصا كانت تستخدم في الصيد.

 

وكان علماء المصريات يعتقدون في السابق أن الوشم يحمل معنى الخصوبة أو له دلالة جنسية ولا تستخدمه سوى النساء في مصر القديمة – وهو اعتقاد يواجه الآن تحدياً بعد الوصول إلى هذه النتائج الجديدة. ويشير “فريدمان” إلى أن الثور البري كان رمزاً على قوة الذكورة في مصر القديمة وأوضح أن هذا الرجل قد مات من جراء جرح طعنة، وربما يشير إلى اشتراكه في الصراعات التي حدثت عام 3100 قبل الميلاد. ومن ناحية أخرى، يقترح أن الوشم الخاص بالسيدة قد يشير إلى المشاركة في “احتفال أو طقوس” استنادًا إلى أوجه التشابه بينه وبين الزخارف على السيراميك في عصر ما قبل الأسرات، والتماثيل الصغيرة، والوشم من أواخر عصر الدولة الحديثة (1539- 1,077 قبل الميلاد).

كيف كان يتم وضع الوشم في العصور القديمة؟

مثلما يحدث اليوم، كان يتم وضع الوشم باستخدام العديد من الطرق المختلفة. وقد تم استخدام ثلاث تقنيات رئيسية: واحدة باستخدام إبرة ملولبة بها أوتار مغلفة بصبغة، وأخرى عن طريق ثقب الجلد بإبرة مغلفة بصبغة، والثالثة  تنطوي على فرك صبغة على جرح مفتوح. وكان من الممكن تطبيق هذه الوشوم باستخدام الإبر البرونزية، وعظام السمك، أو أشواك أشجار السنط. وعلى الرغم من أن الصباغ المستخدمة في مثل هذه الوشوم لم يتم تحديدها، إلا أنه يفترض أن تكون من السخام. ولاحظ فريدمان أن بصمة الأشعة دون الحمراء للوشوم على المومياوات، على الرغم من عدم اختبارها بعد، تشير إلى وجود صبغة كربونية. وكانت الفائدة من استخدام السخام هي أنه كان له خصائص مطهرة، مما ساعد في الوقاية من العدوى.

ومع هذا الاكتشاف المثير للاهتمام على المومياوات المصرية، اعتقد أنه سيكون من المناسب مناقشة ممارسات الوشم في جنوب البلاد، حيث تم العثور على وشم على بقايا شخصيات نوبية والمقابر المروية (300 قبل الميلاد – 350م). وغالبية هؤلاء الأشخاص الذين كانوا اعتادوا رسم الوشوم هم من النساء البالغات، على الرغم من أن الرجال والمراهقين كانوا أيضاً يفضلون الوشم. وكان يتم رسم تلك الوشوم على أي مكان في الجسد من الفخذين إلى الرأس، وهي في الغالب أشكال هندسية مجردة.

الوشم المروي من أكشا

مثل المومياوات المصرية التي تنتمي لعصر ما قبل الأسرات في المتحف البريطاني، هناك عدد قليل من الأشخاص يحملون وشماً بأشكال مختلفة. وتم اكتشاف هؤلاء الأشخاص وهم امرأة بالغة ومراهق غير معروف جنسه، في المقبرة المروية من قبل أندريه فيلا. وجرت مناقشات حول تحديد أشكال الوشم الثلاثة.

ويبدو الشكل الأول على أنه شخصية مجسمة، ربما تم تحديده على أنه أحد الآلهة المصرية القديمة المعروف باسم الإله “بِس”. وهذا يعني وجود ارتباط بينه وبين الخصوبة والولادة. ولكن، ما لم يكن يحمل شيئًا ما في يده، دائمًا ما يصور “بس” وذراعيه موضوعه على جانبيه. وقد تشير الأذرع الصاعدة إلى الابتهاج، على الرغم من أن الفكرة ببساطة مجردة للغاية بحيث لا يمكن تحديدها بأي قدر من اليقين.

والشكل الثاني من الوشوم من “أكشا” غير معروف، ولكنه قد يمثل نبات أو طيور تحلق. وإذا كان نباتاً فإنه يدل على الخصوبة والبعث والحياة في مصر القديمة، فهل كان له نفس الأهمية في النوبة؟ وأخيراً، حدد “فيلا” الوشم الثالث على أنه صف من طيور النعام. وكانت الطيور بشكل عام عنصرًا أساسيًا في الحياة على طول نهر النيل. ويظهر ريش النعام في صور النوبيين المصريين وهم يدفعون الجزية، بينما يظهر بيض النعام في المقابر الخاصة بعصر ما قبل الأسرات. ومع ذلك، بسبب عدم اليقين المحيط بتحديد هذه الأشكال، فإن أهمية هذه الوشوم الجدارية ما زالت محل النقاش.

الوشم الهندسي

إذا كان من الصعب تحديد الأشكال التصويرية للوشوم، فسيكون من الأصعب تفسير الأشكال الهندسية. وهي غالبًا ما تتكون من مجموعات من النقاط في شكل معينات وخطوط متعرجة. ويقترح أن الوشم ذو النقاط في مصر، الذي ربما كان يتم تطبيقه باستخدام إبر الوشم، يحمل رموزاً كثيرة. وقد عثر على تجمعات مكونة من 9 أو 12 نقطة في شكل من أشكال الماس والمعينات على بقايا بعض الشخصيات النوبية. ومع ذلك، فإن غالباً ما يكون عدد النقاط غير متناسق عبر الجسد الواحد. وقد ظهرت بعض الرسوم المماثلة على تماثيل نيوليثية من مواقع في جميع أنحاء النوبة. وقد تكون لها دلالات على الانتماء الجماعي، أو أحداث الحياة المهمة، أو الجمال، أو المخاوف الطبية (مثل مرض العين). وتم العثور على رجل من “أكشا” يمتلك العديد من الوشوم على وجهه تحمل أشكالاً هندسية، والتي يمكن أن يكون لها أي دلالة من تلك المذكورة أعلاه.

ولسوء الحظ، فإن الدراسات حول الوشم في العالم القديم محدودة بالأدلة المتاحة. وحتى في الحالات التي يتم فيها الحفاظ على طبقة الجلد، غالباً ما تكون تلك الطبقة محفوظة جزئياً فقط. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يكون من الصعب اكتشاف هذه الوشوم بالعين المجردة – وهو التحدي الذي أبرزته حقيقة اكتشاف الوشم على جسد «رجل الجبلين» حديثًا مع أن الجسد يعرض بشكل شبه مستمر منذ اكتشافه منذ أكثر من 100 عام. ونأمل مع تزايد استخدام تكنولوجيا الأشعة تحت الحمراء في المتاحف أن يتم التعرف على المزيد من الوشوم على رفات الموتى من مصر القديمة والنوبة، حتى نتمكن من بناء فهم أفضل لأهميتها عبر آلاف السنين من التاريخ القديم.

إرين إنجرام هي مرشحة لنيل درجة الدكتوراه من جامعة تورنتو في قسم الحضارات القريبة والوسطى. وقد نُشر مقالها حول ممارسات الوشم والتختيم (عمل شقوق في الجلد كتقليد جمالي) في النوبة القديمة في مجلة Beiträge zur Sudanforschung في عام 2017. ويركز بحثها حول جعران القلب ودوره في المعتقدات الجنائزية للقدماء المصريين.

The Nile Scribes are thankful for the translation assistance by our official Cairo-based translator, Mahmoud Saleh