عن لقاء مع عالم المصريات بيتر لاكوفارا

تمت الترجمة بواسطة “محمود صالح”

تمكّن هذه السلسلة من اللقاءات التي يجريها “كتبة النيل” القراء من معرفة المزيد عن علماء المصريات من جم أنحاء العالم. ومن الأسئلة المتعلقة بحياتهم ومهنتهم، نستكشف أيضًا اهتماماتهم البحثية ووجهات نظرهم في مجال علم المصريات. ونرغب في أن تساهم هذه السلسلة في تعزيز وعي الجمهور بالمجتمع المصري القديم وتوضيح المهن المتنوعة ومشروعات الأبحاث الجارية في هذا المجال. وقمنا هذا الأسبوع بإجراء مقابلة مع الدكتور بيتر لاكوفارا أمين متحف مايكل كارلوس المتقاعد حول مسيرته المهنية.

من هو الدكتور بيتر لاكوفارا؟

حصل الدكتور بيتر لاكوفارا على درجة الدكتوراه من المعهد الشرقي لجامعة شيكاغو، ويشغل حاليًا منصب مدير صندوق الآثار والتراث المصري القديم. وسابقاً، عمل كبير أمناء للمجموعة الفنية المصرية القديمة والنوبية والشرق الأدنى في متحف مايكل كارلوس. ونظراً لتنظيمه للعديد من المعارض والمتاحف الخاصة بالحضارة المصرية والشرق الأدنى القديم، فإنه يقوم أيضاً بإدارة بعثة ميدانية تعمل حالياً في قرية دير البلاص في صعيد مصر.

كتبة النيل: من أين أنت ومتى أصبحت مهتماً بمصر القديمة؟

بيتر لاكوفارا: ولدت ونشأت في منطقة فلاشينغ، نيويورك. وكنت مهتمًا بعلم الآثار منذ الصغر وقرأت العديد من الكتب حول علم الآثار في العالم القديم، وعلى الأخص مصر.

كتبة النيل: كيف بدأت مسيرتك المهنية في علم المصريات؟

بيتر لاكوفارا: التحقت بكلية في جامعة بوسطن بمدينة بوسطن الأمريكية وتلقيت محاضرات في علم الآثار والفن والجيولوجيا والتاريخ القديم، ووجدت يومًا ما إعلان عن دورة تدريبية حول علم المصريات في متحف الفنون الجميلة. والتحقت بالدورة التدريبية وعندما انتهت، تطوعت للعمل في غرف التخزين بالمتحف. وفي تلك الأيام ، كان “دوز دنهام”  يعمل أمين فخري للمتحف ويأتي إلى العمل كل يوم وقد أخبرني قصصاً مثيرة عن أعمال التنقيب التي قام بها في مصر والسودان. وكانت إدنا (آن) روسمان أيضًا في القسم في ذلك الوقت وكانت تتعامل بلطف شديد معي بنفس طريقة سوزان تشابمان وهي أبرز المتخصصين في علم الآثار في القسم. وقررت وقتها التقدم بطلب الالتحاق بكلية الدراسات العليا وذهبت في النهاية إلى المعهد الشرقي في جامعة شيكاغو. وعلى الرغم من أن تركيزي في شيكاغو كان على اللغة المصرية، إلا أنني كنت محظوظًا لتلقي محاضرات مع هيلين كانتور وكارل بوتزر والعمل في متحف المعهد الشرقي مع جوديث فرانكي وفي مختبر الحفظ مع باربرا هول، وكذلك على إعادة تركيب مجموعة الآثار المصرية في المتحف الميداني للتاريخ الطبيعي. وبالإضافة إلى ذلك، ذهبت في الصيف إلى مدرسة ميدانية في جامعة أريزونا في موقع    “Grasshopper Pueblo” لتعلم تقنيات الحفر.

وحين كنت طالباً، ذهبت إلى بعض أعمال التنقيب في منطقة الكوم الأحمر ثم إلى مدينة أبيدوس، إحدى أقدم المدن المصرية القديمة بصعيد مصر، مع ديفيد أوكونور الذي لم يدخر وقته وخبرته. وعملت أيضاً مع مارك لينر الذي كان قد بدأ العمل في منطقة الجيزة عند أبو الهول. وبعد الانتهاء من الدورات الدراسية في شيكاغو، عدت إلى بوسطن كمتدرب ثم كمساعد فني و في النهاية منسق مساعد. وأصبحت مهتمًا بما يعرف بـعلم “settlement archaeology” وقرأت بعض الملاحظات غير المنشورة للدكتور ريزنر عن أعمال التنقيب في الموقع الأثري دير البلاص بصعيد مصر. وتمكنت من الحصول على منحة من مركز الأبحاث الأمريكي في مصر لزيارة الموقع واستكمال سجلات ريزنر غير المكتملة وأدركت أن الموقع يحتوي على الكثير من المعلومات أكثر مما كان يُعتقد من قبل. وعدت مؤخراً إلى هناك حيث يتعرض الموقع للتهديد بسبب زحف تطور المدينة العمراني. وهو أمر يحدث في جميع أنحاء مصر اليوم حيث إن الحاجة لمزيد من الأراضي تزداد باطراد.

وفي بوسطن، تعرفت أيضاً على المجموعة الأثرية النوبية الرائعة، وهى الأفضل في العالم، وقمت بإجراء قدر كبير من الأبحاث حول الثقافة المادية للسودان القديم. كذلك، بدأت زميلتي في بوسطن “سو دووريا” العمل على المومياوات في المجموعة وأجرت لها تصويراً مقطعياً في مستشفى محلي. وقد أخذنا هذا الأمر إلى العمل على إنشاء معرض “المومياوات والسحر: الفنون الجنائزية في مصر القديمة”. كما واصلت العمل الميداني في مصر في منطقة الجيزة مع مارك ليهنر، وفي أبيدوس مع ديفيد أوكونور وبعد ذلك مع جانيت ريتشاردز، وفي وادي الملوك مع نيكولاس ريفز، والعمل بمفردي في دير البلاص.

كتبة النيل: ما هي بعض المعالم البارزة التي تتذكرها أثناء عملك كمسئول متحف مايكل سي كارلوس في جامعة إيموري؟

بيتر لاكوفارا: بعد العمل في بوسطن لمدة 18 عامًا، عُرض عليّ أن أعمل كأمين لمتحف مايكل سي كارلوس في جامعة إيموري. وكانت المجموعة الأثرية الدائمة هناك صغيرة جداً ورأيت أن هناك حاجة لزيادة هذه المجموعة. وبعد فترة وجيزة من وصولي إلى هناك، تلقيت مكالمة من صديقتي “روبرتا شو” تخبرني عن وجود مجموعة أثرية مصرية في منطقة شلالات نياجارا بمقاطعة أونتاريو الكندية. وذهبت لرؤيتها وكنت قادراً على إثارة الحماس عند المسئولين في أتلانتا للحصول عليها إلى حد كبير من خلال “كاثرين فوكس” مراسلة الفنون في صحيفة ““Atlanta Journal-Constitution. ولم نضطر فقط إلى رفع سعر الشراء، ولكن أيضاً إلى الحصول على المال من أجل الحفاظ على المومياوات والتوابيت التي تم إهمالها بشكل سيئ. وكان الجانب المثير للاهتمام في المجموعة التي تم تجميعها في منتصف القرن التاسع عشر وجود مومياء من المقترح أن تكون مومياء ملكية مفقودة. وأعلنا أنه إذا ثبتت ذلك بالفعل، فسوف نردها إلى مصر حيث المكان الحقيقي التي تنتمي إليه. وبعد الكثير من الأبحاث التي تم تأريخها في برامج تليفزيونية على شبكة قنوات NOVA TV  و WCVB TV الحاصلة على جائزة إيمي الأمريكية، كان هناك تصميماً على أنه هناك ما يكفي من الأدلة على أن المومياء المفقودة تنتمي لرمسيس الأول، وقد أعيدت إلى مصر محدثة ضجة كبيرة. ووجدت أيضًا بين المجموعة بقايا من مقبرة سيتي الأول، وتمكنت من إقناع المسئولين في جامعة إيموري بوجوب إعادتها ووضعها في مكانها في المقبرة.

وقبل أن تغادر المجموعة أتلانتا، أقمنا معرضًا حول مومياء رمسيس مع نانسي روبرتس. وقد أقمنا سوياً عددًا من المعارض الممتازة ، بما في ذلك معرض متنقل لمقتنيات من مجموعة متحف بتري للآثار المصرية، وهو أحد المتاحف التابعة لكلية لندن الجامعية في العاصمة البريطانية لندن. كما عملت مع زميلتي أستاذة علم المصريات في الجامعة الأمريكية بالقاهرة “سليمة إكرام” على إعادة تركيب مواد تعود إلى عصر ما قبل الأسرات في المتحف المصري بالقاهرة. وكنت محظوظاً أيضاً للتدريس معها في الجامعة الأمريكية بالقاهرة كأستاذ زائر. وبالإضافة إلى ذلك، عملت لعدة مواسم في متحف متروبوليتان للفنون في موقع الملقطة، وهي مدينة أخرى مثل دير البلاص كانت معرضة للخطر من المجتمعات المحلية المتنامية.

كتبة النيل: تركت مؤخرًا منصبك كأمين لمتحف مايكل كارلوس، ما الذي تعمل عليه حالياً؟

بيتر لاكوفارا: بعد سنوات عديدة في إيموري، انتهزت الفرصة للتقاعد المبكر من أجل متابعة النشر والبحث، وبفضل منحة من مؤسسة  “Shelby White and Leon Levy Foundation for Archaeological Publication”  أعمل الآن مع عدد من الخبراء في نشر كتابات ريزنر الأصلية عن التنقيب في دير البلاص. كما أنني قمت بتشكيل مؤسسة غير ربحية لرعاية العمل في مصر والمشروعات المصرية، وهي ما تعرف باسم “صندوق التراث والآثار المصرية القديمة.”

كتبة النيل: ما هي بعض المفاهيم الخاطئة الشائعة حول علماء المصريات؟

بيتر لاكوفارا: أعتقد أن أسوأ شيء وللأسف يعتقد فيه الكثير من علماء المصريات هو أنه يمكن لأي شخص أن يحمل مجرفة وأن يكون عالم آثار. وفي الحقيقة، يتطلب الأمر فترة من التدريب مع اكتساب مجموعة من المهارات الخاصة، وبدون تلك الخطوات، يمكن أن تكون النتائج كارثية.

كتبة النيل: أصبحت المتاحف تبتعد عن ماضيها “الموسوعي” في أن تصبح مساحات مشتركة مهمة للمجتمعات المتنوعة بشكل متزايد. كيف ترى متاحف أمريكا الشمالية التي تحتوي على مجموعات أثرية مصرية تتناسب مع هذه التطورات؟

بيتر لاكوفارا: أعتقد أن المتاحف الموسوعية مهمة؛ فهذه المؤسسات هي للحفظ والبحث والتعليم، وليس فقط للترفيه. وكان يُنظر في الأصل إلى المتاحف كمكتبات ثلاثية الأبعاد – ولكنها الآن تحولت إلى أسواق ضخمة للتسويق. وهناك تركيز أكثر من اللازم على المتاحف الكبيرة بدلاً من المقتنيات الدائمة داخل المتاحف. وكثيراً ما تظهر المقتنيات داخل المتاحف كديكور مع أقل قدر من التعليقات الملصقة عليها ولا توجد محاولة لوضعها في سياقها – سواء من حيث الحقبة الزمنية أو الثقافية. وبالتأكيد هناك شريحة كبيرة من الأطراف المعنية في هذه العملية والتي يجب التعامل مع جميع احتياجاتها. ولكن بشكل خاص في الولايات المتحدة الأمريكية ومع عدم وجود الدعم الاتحادي هناك خطر من أن المتاحف تخدم فقط احتياجات الرعاة الأثرياء.

وأعتقد أنه من واجبنا أيضًا إتاحة المقتنيات لأكبر عدد من الجمهور والتصدي للمصالح الخاصة للفئات الفردية. وكان هناك تاريخ طويل من محاولة فصل مصر عن أفريقيا وربطها بالعالم الكلاسيكي / الأوروبي. وفي هذا أعتقد أنه من المهم أيضاً إظهار العلاقات بين مصر والنوبة وهذا أمر يعمل عليه متحف أونتاريو الملكي بشكل جيد. ولسوء الحظ، في الولايات المتحدة الأمريكية، يوجد فقط متحف المعهد الشرقي في شيكاغو الذي يحتوي على معرض مخصص للنوبة، في حين أن المجموعات الأثرية الكبيرة في بوسطن وفيلادلفيا كلها توجد إلى حد كبير في المخازن.

كتبة النيل: ما هو الدور الذي يجب أن تلعبه المتاحف التي تضم مجموعات مصرية؟

بيتر لاكوفارا:  بسبب تأثرهم بالتلفزيون والأفلام، يفترض معظم الناس أن كل الفنون القديمة في المتاحف “مسروقة” ويجب إعادتها. في الواقع، تم الحصول على معظم المجموعات الكبرى في أمريكا الشمالية في متحف أونتاريو الملكي، ومتحف الفنون الجميلة في بوسطن، ومتحف متروبوليتان للفنون، ومتحف الآثار والأنثروبولوجيا في جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا، والمعهد الشرقي، ومتحف هيرست في بيركلي بشكل قانوني من خلال أعمال التنقيب. وفي نظام التقسيم القديم، كان يُسمح بتجميع الأشياء بطريقة علمية والحفاظ على أفضل القطع الأثرية في البلد المنشأ دون أي تكلفة على البلد المضيف. ويجب أن يكون هذا التعاون هو الأساس في عملنا، والمتاحف التي لديها مثل هذه المجموعات تتحمل مسؤولية التأكد من توفر مجموعاتها من خلال المطبوعات ووسائل التواصل الاجتماعي والبرامج العلمية والتبادلات وضمان الحفاظ على المواقع التي تم حفرها وحمايتها. علاوة على ذلك، يجب أن توفر المتاحف فرص التدريب والبحث بالتعاون مع زملائنا المصريين – وهذه مسؤولية نتقاسمها جميعا.

كتبة النيل: ما هي طموحاتك بالنسبة لمستقبل علم المصريات؟

بيتر لاكوفارا: أعتقد أن هناك جيلاً جديداً قادماً من علماء المصريات المصريين، الذين يتمتعون بالموهبة والإخلاص ويستحقون كل الدعم والتشجيع.

* يتوجه كتبة النيل بالشكر للدكتور بيتر لاكوفارا للمشاركة في سلسلة المقابلات التي تجريها المدونة. وإذا كان لديك أي أسئلة للدكتور لاكوفارا، فيمكنك الاتصال به عبر الإنترنت على المواقع أدناه، أو ترك تعليق على صفحتنا.

The Nile Scribes are thankful for the translation assistance by our official Cairo-based translator, Mahmoud Saleh

Previous

أفضل خمس قطع أثرية نوبية في متحف أونتاريو الملكي

Next

أحدث الاكتشافات في العالم المصري القديم (يوليو – أغسطس 2018)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by WordPress & Theme by Anders Norén

عن لقاء مع عالم المصريات بيتر لاكوفارا

0