تستمر التكنولوجيا الرقمية في غزو عالم المصريات، حيث يزاد العلماء رغبة في استخدام تقنيات جديدة للمساعدة أثناء دراستهم. وقد قام كتبة النيل سابقاً باستكشاف بعض من هذه الأدوات الرقمية الرائعة التي يستخدمها العلماء في الوقت الحاضر، بما في ذلك منصة جديدة أطلقت هذا العام كي تساعد في البحث عن مجموعة واسعة من الثقافة المادية المصرية والمعروفة باسم Cleo. وفي مدونة هذا الأسبوع تحدثنا مع هيلين ويلبرنك، مبتكرة Cleo حول إمكانيات استخدام هذه المنصة الجديدة لأبحاث الذكاء الاصطناعي لدراسة الثقافة المادية المصرية.

كتبة النيل: لقد قمت مؤخراً بتقديم Cleo في مؤتمر اللجنة الدولية لعلم المصريات (CIPEG) الذي عقد في مدينة سوانزي ومؤتمر المدارس الاميركية للأبحاث الشرقية (ASOR) الذي عقد في مدينة دنفر بولاية كولورادو. ماذا يمكنك أن تخبرينا عن هذا المشروع؟

هيلين ويلبرنك: Cleo هو بيئة بحثية افتراضية للأشخاص الذين يقومون بدراسة مصر القديمة، حيث يمكنهم من البحث عبر الإنترنت عن أكثر من 30,000 من المقتنيات المصرية القديمة سواء عن طريق النص أو الصورة أو الموقع، باللغة الإنجليزية أو الهولندية. وتأتي المقتنيات من متحف بروكلين، والمتحف الوطني للآثار [في ليدن، هولندا]، ومتحف متروبوليتان للفنون، ومتحف والترز للفنون. وهو متوفر الآن في الإصدار التجريبي عبر cleo.aincient.org. ونخطط لإضافة المزيد من المجموعات والمصادر الأخرى في السنوات القادمة.

كتبة النيل: ما الذي أدى بك إلى ابتكار Cleo؟

هيلين ويلبرنك: شعرت بالإحباط الشديد عندما كنت أبحث عن مصادر لرسالة الماجستير الخاصة بي حول لوحة حجرية من قرية دير المدينة في جامعة ليدن. وشعرت وقتها وكأنني أبحث عن “إبرة في كومة قش”. وكان ذلك قبل 10 سنوات حيث لم تكن معظم مجموعات المتاحف متاحة على الإنترنت. وفي هذه الأثناء، أصبح المزيد والمزيد من هذه المجموعات متاحة، ولكن ما زال الباحثون (بما في ذلك الطلاب والمصريين) يجاهدون للعثور على المصادر. ولا يمكن البحث في المجموعات دفعة واحدة لأن هذه المجموعات لا تتبع نفس المعايير وتتوفر بلغات مختلفة، وغالبًا ما تكون معقدة الاستخدام. كما أن عملية البحث لا تكون دائماً مستندة إلى الصور. وأثبت المتحف المصري أن الجمع بين مجموعات متعددة على منصة واحدة يعد أمراً قيماً. ومع ذلك، لم يتم تحديث هذا المشروع لأكثر من عقد من الزمان. ولهذا السبب قمنا بابتكار Cleo.

كتبة النيل: كيف قمت بتطوير Cleo؟

هيلين ويلبرنك: غالباً ما يوجه لي هذا السؤال. فمنذ حوالي خمس سنوات، كان لدي حلم حول ربط الموارد المتعلقة بعلم المصريات عبر الإنترنت. وبعد الانتهاء من رسالة الماجستير في علم المصريات، درست التسويق وعملت في بنك في مجال البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي (AI) وتكنولوجيا المعلومات والرعاية لعدة سنوات. وفكرت أنه من الممكن تطبيق أحدث التقنيات على دراسة علم المصريات من خلال تكوين شراكات بين الأوساط الأكاديمية والشركات. وقدمت أول مفهوم لهذه المنصة المتصلة في المؤتمر الدولي لعلماء المصريات في فلورنسا. وتم استقباله بشكل جيد، وهذا أعطاني الثقة لعرضه على شركة جوجل. وقمنا بإنشاء نموذجًا أوليًا مع جوجل بالتعاون مع أحد شركائها والمتحف الوطني للآثار في ليدن. وأدى النموذج الأولي إلى الحصول على منحة ابتكار من صندوق SIDN الهولندي ورعاية عينية من جودل كلاود (Google Cloud). ولذلك تركت عملي اليومي وأسست مشروعي Aincient للعمل على رؤيتي بدوام كامل. وبمساعدة العديد من الآخرين أنشأنا متحف عبر الإنترنت أو بيئة بحثية افتراضية تسمى Cleo. وقد ساعد في ذلك العديد من الأشخاص الآخرين على طول الطريق والذين ما زالوا يشاركون بمجهوداتهم. ويشمل هؤلاء المفكرين والمطورين والمختبرين إلى مجموعات المتحف وموظفي الجامعة والطلاب والمتخصصين في مجال الذكاء الاصطناعي والزملاء من رجال الأعمال. وقد أدى هذا إلى إطلاق ناجح لـ Cleo  في سبتمبر من هذا العام.

كتبة النيل: كيف يسهل Cleo عملية البحث في مصر القديمة؟

هيلين ويلبرنك: يساعدك Cleo في العثور على مصادر أكثر للبحث في وقت أقل حتى تتمكن من اكتشافات جديدة. ويمكنك البحث عن المواد المتاحة من مجموعات متعددة على Cleo باللغتين الإنجليزية والهولندية وعلى أي جهاز ترغب فيه (على سبيل المثال، الهاتف أو الكمبيوتر المحمول). ويمكنك إجراء بحث نصي أو تحميل صورة لكائن معين والعثور على كائنات مشابهة، والتي يمكن تصفيتها حسب الفترة أو الموقع. ويمكن إنشاء مجموعة شخصية من الكائنات للرجوع إليها لاحقًا أو يمكنك تحميل النصوص والصور على الفور.

وهذه هي الطريقة التي يعمل بها: بعد إنشاء حساب خاص على Cleo، يمكنك البدء في البحث عن النص أو تحميل صورة. بعد ذلك، يمكنك استخدام خيارات البحث واستكشاف نتائجك. ويمكنك استخدام خيارات البحث مثل “المادة” أو “الفترات”، والعثور على كائنات مشابهة باستخدام بحث الذكاء الاصطناعي الفريد عن طريق تحديد الكائنات التي تهمك. ولا يزال البحث في مرحلة تجريبية، مما يعني أنه ليس مثالي. ولكن يمكن أن يقدم لك اقتراحات جيدة لأبحاثك التي قد تفوتك من خلال البحث النصي، ربما لأن أوصاف المتحف غير مكتملة أو غير دقيقة.

كتبة النيل: مع التقدم المستمر في التكنولوجيا الرقمية، ما هي الاحتمالات التي تتوقعينها لـ Cleo؟

هيلين ويلبرنك: تشمل رؤيتنا للمستقبل العديد من العناصر المهمة. ونحن لا نريد فقط إضافة المزيد من المجموعات إلى Cleo – من بين أكثر من 850 مجموعة في جميع أنحاء العالم، ولكن أيضًا نسعى لأن يكون Cleo متاحاً بمزيد من اللغات، مثل اللغة العربية. ستتطلب وظيفة بحث الذكاء الاصطناعي أيضًا إلى تحسين الوظائف. ونأمل في تحسين الجودة وتقديم ميزة جديدة: البحث عن تفاصيل مشابهة لكائن بدلاً من الكائن بأكمله.

ستكون الخطوة التالية هي الإجابة عن أسئلة أكثر تعقيدًا عن مصر القديمة، على سبيل المثال حول التطورات في تاريخ الفن عبر الزمن والمواقع. وما نحتاجه هو إضافة أنواع أخرى من الموارد مثل الأدب ومجموعات البيانات عن المصريين القدماء والتي يمكن استرجاعها من الموارد عبر الإنترنت مثل Trismegistos. وقد يكون استخدام آخر هو البحث عن الأسماء المذكورة على كائن معين للعثور على معلومات أخرى بشأنها لدينا، وذلك بفضل التكامل مع Trismegistos. وستكون الخطوة الأكثر تحدياً هي كتابة الموارد المتكاملة والبحث عن أنماط جديدة لم يلاحظها أحد حتى الآن.

كتبة النيل: يشتهر علماء المصريات بالبطء في تبني أشكال جديدة من التكنولوجيا. كيف ترين علماء المصريات يغيرون مجالنا من خلال دمج تقنيات جديدة في المستقبل؟

هيلين ويلبرنك: الأشخاص الرقميون الذين نشأوا مع الإنترنت والبريد الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي والآن الذكاء الاصطناعي، يحصدون الفوائد المباشرة للتكنولوجيا في حياتهم الشخصية والمهنية. وفي الوقت الذي تجرون هذه المقابلة معي ونشرها من خلال مدوّنة عبر الإنترنت، ستتم مشاركتها بين قرائكم من خلال رسالة إخبارية عبر البريد الإلكتروني، وهو أمر طبيعي تمامًا في الوقت الحاضر. وأرى اتجاهاً بين علماء المصريات الأصغر سناً في تبني تقنيات جديدة أثناء دراستهم لمصر القديمة. على سبيل المثال، البحث في جوجل عن مصادر، من خلال مجموعات المتاحف عبر الإنترنت وقاعدة البيانات الشهيرة Online Egyptological Bibliography.

كما أرى اختلافات في استخدام جوانب Cleo بين الأجيال. هناك، على سبيل المثال، ردود فعل متباينة للترجمات التي يقدمها Cleo. بالنسبة للجيل الأصغر، تعتبر هذه ميزة لأنها تتيح لهم البحث بلغتهم المفضلة. ويمكن الآن البحث عن المجموعة الهولندية بواسطة متحدث باللغة الإنجليزية. وقد اعتاد الناس على هذه الميزة على الفيسبوك وبعض المواقع الأخرى. ومع ذلك، فإن الأجيال الأكبر سناً سيجادلون بأن جودة الترجمة ليست جيدة بما فيه الكفاية، على الرغم من أن النص الأصلي والرابط إلى النسخة الأصلية عبر الإنترنت دائمًا ما يكون بمجرد نقرة واحدة.

ولحسن الحظ، يأتي التغيير من الأجيال الأكبر من علماء المصريات أيضًا. وفي نهاية القرن العشرين ومع بداية هذا القرن، تم إنشاء منصات متعددة لدراسة عالم مصر القديمة مثل Thesaurus Linguae Aegyptiae و Trismegistos وموسوعة علم المصريات التابعة لجامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس ومشروع Digital Giza الذي يتيح لك الوصول إلى أكبر مجموعة من المعلومات والمواد البحثية التي تم تجميعها على الإطلاق حول الأهرامات والمواقع ذات الصلة.